مجمع البحوث الاسلامية
878
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تمنّيت من السّوء حسدا منّي لك ، فيكون الحسد مصدرا من معنى قوله : تمنّيت من السّوء ، لأنّ في قوله : تمنّيت لك ذلك ، معنى حسدتك على ذلك ، فعلى هذا نصب الحسد . . . يعني : حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم اللّه من التّوفيق ، ووهب لكم من الرّشاد لدينه والإيمان برسوله ، وخصّكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رؤوفا بكم رحيما ، ولم يجعله منهم ، فتكونوا لهم تبعا ، فكان قوله : ( حسدا ) مصدرا من ذلك المعنى . ( 1 : 488 ) الطّوسيّ : ( حسدا ) نصب على أحد أمرين : أحدهما : على الجملة الّتي قبله بدلا من الفعل ، كأنّه قال : حسدوكم حسدا ، كأنّه قال : نحسدك حسدا . والآخر : أن يكون مفعولا ، كأنّه قال : يردّونكم لأجل الحسد ، كما تقول : جئته خوفا منه . تقول : حسدت أحسد حسدا ، وحسدتك على الشّيء ، وحسدتك الشّيء ، بمعنى واحد . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 1 : 405 ) الواحديّ : أي يحسدونكم حسدا . ( 1 : 191 ) مثله البغويّ ( 1 : 155 ) ، والخازن ( 1 : 82 ) . الغزاليّ : [ مراتب الحسد ] أربعة : الأولى : أن يحبّ زوال تلك النّعمة عنه وإن كان ذلك لا يحصل له ، وهذا غاية الحسد . الثّانية : أن يحبّ زوال تلك النّعمة عنه إليه ، وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة نالها غيره ، وهو يحبّ أن تكون له ، فالمطلوب بالذّات حصوله له ، فأمّا زواله عن غيره فمطلوب بالعرض . الثّالثة : أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها فإن عجز عن مثلها أحبّ زوالها ، لكي لا يظهر التّفاوت بينهما . الرّابعة : أن يشتهي لنفسه مثلها ، فإن لم يحصل فلا يحبّ زوالها . وهذا الأخير هو المعفوّ عنه إن كان في الدّنيا ، والمندوب إليه إن كان في الدّين ، والثّالثة منها مذمومة وغير مذمومة ، والثّانية أخفّ من الثّالثة ، والأوّل : مذموم محض ، قال تعالى : وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ النّساء : 32 ، فتمنّيه لمثل ذلك غير مذموم ، وأمّا تمنّيه عين ذلك فهو مذموم . للحسد سبعة أسباب : السّبب الأوّل : العداوة والبغضاء ، فإنّ من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه ، وذلك الغضب يولّد الحقد ، والحقد يقتضي التّشفّي والانتقام . فإن عجز المبغض عن التّشفّي بنفسه أحبّ أن يتشفّى منه الزّمان ، فمهما أصاب عدوّه آفة وبلاء فرح ، ومهما أصابته نعمة ساءته ؛ وذلك لأنّه ضدّ مراده ، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما . وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه ، فإمّا أن يبغض إنسانا ثمّ تستوي عنده مسرّته ومساءته فهذا غير ممكن ، وهذا النّوع من الحسد هو الّذي وصف اللّه الكفّار به ؛ إذ قال : وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها آل عمران : 119 ، 120 ، وكذا قال : وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ آل عمران : 118 . واعلم أنّ الحسد ربّما أفضى